بقلم مارغوريتا زريق
يشهد ملف الإسمنت في لبنان أزمة متفاقمة انعكست بشكل مباشر على قطاع البناء والأشغال، وسط ارتفاع حاد في الأسعار، وظهور سوق سوداء تتحكم بالكميات والتسعير، ما أدى إلى توقف عدد كبير من الورش وتكبيد القطاع خسائر كبيرة.
في حديث مع نقيب المقاولين في لبنان المهندس مارون حلو، تم عرض تفاصيل دقيقة حول واقع هذا الملف، حيث أشار إلى أن "بعض التقارير تفيد بأن طن الإسمنت في السوق السوداء يُباع بسعر مرتفع، نتيجة عدم توافر الكميات الكافية لتغطية حاجة السوق".
وأوضح أن "القرار الحكومي المتعلق بتنظيم القطاع ومنح التراخيص قد اتُخذ منذ نحو خمسين يوماً، إلا أن تطبيقه لا يزال يواجه عراقيل يومية، تتمثل بإجراءات إدارية وتعقيدات متلاحقة تمنع دخوله حيز التنفيذ الفعلي".
وأشار إلى أنه "بعد استكمال عدد من الملفات العائدة لشركتي "هولسيم" و"إسمنت السبع"، طُلبت كفالة مصرفية إضافية لم تكن مطلوبة سابقاً، على أن تُعرض على المجلس الأعلى للمقالع والكسارات، ما أدى إلى تأخير إضافي في مسار التنفيذ".
ولفت إلى أن "المفترض كان فتح المعامل بشكل مؤقت ريثما تُستكمل الإجراءات الإدارية، إلا أن ما حصل هو العكس، ما أدى إلى استمرار الأزمة".
وفي سياق متصل، تحدث عن ملف الاستيراد، مشيراً إلى أن "هناك من يقول إن التراخيص فُتحت، إلا أنه لا توجد معطيات واضحة حول تقديم طلبات استيراد فعلية. واعتبر أنه في حال كان الاستيراد مفتوحاً فعلاً، لكان العديد من التجار قد أقدموا عليه، نظراً لانخفاض الكلفة مقارنة بالسوق المحلي ".
وأكد أن "تأخر تفعيل الاستيراد، إلى جانب تعثر تشغيل المعامل، ساهم في تفاقم الأزمة، داعياً إلى تسريع الإجراءات الإدارية وإعادة تشغيل الإنتاج لتخفيف الضغط عن السوق وإعادة الأسعار إلى مستويات طبيعية".
وعن المستفيدين من الوضع الحالي، أشار حلو إلى أن "بعض التجار هم الأكثر استفادة، إذ يقومون بشراء كميات محدودة من معمل سبلين، واحتكارها، ثم إعادة بيعها وفق آلية العرض والطلب بأسعار مرتفعة".
وأوضح أن "الكميات المتوافرة لا تكفي حاجة السوق، وأن معمل سبلين لا يغطي الطلب بالكامل، ما يسمح بظهور عمليات احتكار وتخزين وبيع لاحق بأسعار أعلى".
وفي ما يتعلق بوجود غطاء سياسي، قال إن "التجارب في لبنان تُظهر دائماً وجود مستفيدين سياسيين في مثل هذه الملفات، إلا أنه لا يستطيع تحديد هوية جهات سياسية بعينها، مؤكداً أن المستفيدين المباشرين هم التجار الذين يحصلون على كميات إضافية ويعيدون بيعها في السوق".
وفي ما يتعلق بقطاع المقاولات، أكد أن "معظم ورش البناء متوقفة حالياً، بما في ذلك الورش الصغيرة، وأن التوقف طال مختلف المناطق، سواء المشاريع الكبيرة أو حتى الأعمال الفردية في المنازل".
وأوضح أن "الأزمة مستمرة منذ نحو ستين يوماً، ما أدى إلى تجميد السوق بشكل شبه كامل، حيث باتت الأعمال محدودة جداً، فيما يضطر من يواصل العمل إلى تحمّل كلفة مرتفعة جداً."
وأشار إلى أن "حجم الخسائر الدقيقة غير قابل للحصر حالياً، بسبب عدم توفر أرقام واضحة حول عدد الورش المتوقفة أو المستمرة في العمل، مؤكداً أن العديد من الورش أوقفت نشاطها بانتظار عودة السوق إلى طبيعته."
وفي ما يخص مشاريع اعادة الإعمار، شدد على أنه "لا يمكن الحديث عن أي خطط إعمار أو تنفيذ مشاريع في ظل الأسعار الحالية للإسمنت، التي ارتفعت بشكل كبير وغير مسبوق".
كما لفت إلى أن "تكلفة الإسمنت تضاعفت عدة مرات، ما يجعل تنفيذ أي مشروع إنشائي غير منطقي اقتصادياً في الوقت الراهن."
وختم بالإشارة إلى أن "هناك بوادر حل خلال فترة قصيرة، إذ من المتوقع، وفق المعطيات المتوفرة، أن يعود الإنتاج تدريجياً خلال أسبوع، ما قد يساهم في زيادة المعروض من الإسمنت في السوق، وبالتالي تراجع الأسعار بشكل تدريجي".
كما أشار إلى "وجود إشكاليات بيئية ومقالعية مرتبطة بالمعامل، تتعلق بآلية استخراج المواد الخام، والأثر البيئي، وعدم التزام بعض الشركات بواجباتها من حيث إعادة التأهيل والإصلاح بعد عمليات الاستخراج، ما يجعل المسؤولية، بحسب تعبيره، مشتركة بين الشركات والدولة والرقابة الرسمية، في حين يبقى المواطن هو المتضرر الأكبر في نهاية المطاف".
www.alkalimaonline.com/news.aspx